محاظرات سماحة السيد هاشم الهاشمي13

اذهب الى الأسفل

محاظرات سماحة السيد هاشم الهاشمي13

مُساهمة  جند المرجعية في الجمعة يوليو 30, 2010 10:14 am

بين يديك أخي العزيز وأختي الفاضلة النص المقارب لما تم بثه على قناة الأنوار الفضائية في شهر جمادى الأولى 1428هـ وما بعده بمناسبة شهادة فاطمة الزهراء عليها السلام ضمن برنامج "الصديقة الشهيدة" الذي بلغت حلقاته 15 حلقة تتناول سيرة الزهراء (ع) مما قبل الميلاد إلى ما بعد الاستشهاد وهذا ما جاء في الحلقة الثالثة عشر وعنوانها:الزهراء (ع) من شهادة النبي (ص) إلى شهادتها- القسم الأول

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى أهل بيته الغر الميامين، واللعن الدائم على مبغضيهم إلى يوم الدين.
كان حديثنا في الحلقة الماضية عن القسم الثاني من سيرة الزهراء (ع) في حياتها، وهي الفترة الممتدة منذ زواجها الميمون وحتى شهادة أبيها رسول الله (ص)، بعد أن كنا قد خصصنا الحديث في القسم الأول لسيرتها منذ ولادتها وحتى زواجها، وفي هذه الحلقة سنتناول قسما من سيرتها عليها السلام في القسم الثالث والمخصص لسيرتها منذ شهادة أبيها وحتى شهادتها عليهما الصلاة والسلام.

جاء في الرواية المعتبرة التي رواها الكليني في الكافي (1/241) عن الإمام الصادق (ع) أن فاطمة الزهراء (ع) عاشت بعد أبيها خمسة وسبعين يوما، وهذه الفترة رغم قصرها قياسا إلى عمرها القصير فإنها كانت حافلة بكثير من الأحداث والظروف الاستثنائية التي استوجبت خروج الزهراء (ع) خارج المنزل مع أنها كانت تميل إلى ملازمة بيتها، ومن أهم معالم هذه المرحلة من سيرتها في الحياة الدنيا الأمور التالية:

أولا: حزنها على رسول الله (ص)

ينقل الحر العاملي في الباب 79 من كتاب الدفن من وسائل الشيعة مجموعة من الروايات عن رسول الله (ص) والإمامين الباقر والصادق عليهما السلام أن من ابتلي بمصيبة فليتذكر مصابه برسول الله فغن الخلق لن يصابوا بمثله وأن مصيبته أعظم المصائب أو من أعظم المصائب كما في تعبير رواية أخرى.
وحيث أن الزهراء (ع) كانت على دراية تامة بعظم هذه المصيبة إما من جهة فقد شخص النبي (ص)، فلا يوجد شيء أصعب على الإنسان من مفارقة الأحباب فكيف إذ كان الفقيد هو سيد الأحباب وأعظمهم، وإما من جهة الآثار المترتبة على فقد النبي (ص) من عدم نزول الوحي ومن تجاسر المنافقين والذين في قلوبهم مرض وكشفهم لخبايا نفوسهم التي كانوا يخفونها في حياة النبي (ص) خشية أن ينزل فيهم القرآن ويفضحهم ويتخذ منهم النبي (ص) موقفا حاسما، ومن ثم فإن حزنها كان عظيما على رسول الله (ص)، وقد وصف الإمام الصادق (ع) هذا الحزن كما في الرواية الصحيحة في الكافي بالتالي: «وكان يدخلها حزن شديد على أبيها». (الكافي ج1 ص241)
وكذلك روى الكليني بسند معتبر عند بعض علمائنا (في عمر بن عبد العزيز) عن الإمام الصادق (ع) أنه قال:
«إن الله لما قبض نبيه (ص) دخل على فاطمة (ع) من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عز وجل». (الكافي ج1 ص240 ح2)
إن عظمة الزهراء (ع) تكمن في هذه التعابير، فحزنها (ص) لا يعلمه إلا الله، وسرورها بإكفائها رسول الله (ص) تحمل رقاب الرجال لايعلمه إلا الله تبارك وتعالى، فهي في حزنها وسرورها تصل إلى الدرجة العالية التي تتفوق على الآخرين فيها لأن معرفتها بقيمة ذلك الأمر المستوجب للحزن والسرور يفوق معرفة الآخرين، ولأن طهارة نفسها المستوجب لهذا المقدار من التأثر يفوق النفوس الأخرى في أمر الطهارة.
ومن ثم فإن ما توهمه البعض من أن شدة بكاء الزهراء (ع) لا يليق بمكانها في الواقع العام ناشئ عن قصور معرفة لقيمة هذا الحزن الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
وتفيد بعض الروايات أن الزهراء (ع) كانت تأتيها الغشية بشكل متكرر حزنا على رسول الله (ص)، فابن شهرآشوب المازندراني المتوفى سنة 588هـ يقول:
"وروي أنها ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدة الركن، باكية العين، محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة، و تقول لولديها: أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرة بعد مرة، أين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما, فلا يدعكما تمشيان على الأرض، و لا أراه يفتح هذا الباب أبدا، ولا يحملكما على عاتقه، كما لم يزل يفعل بكما". (مناقب آل أبي طالب ج3 ص137)
والعلامة المجلسي ينقل عن بعض كتب المناقب عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال:
«غسلت النبي (ص) (ص) في قميصه، فكانت فاطمة (ع) تقول: أرني القميص، فإذا شمته غشي عليها، فلما رأيت ذلك غيبته». (عوالم سيدة النساء ص450)
والشيخ الصدوق يقول:
«روي لما قبض النبي (ص) امتنع بلال من الاذان (وكان هذا الامتناع ذات دلالات سياسية بالنسبة للمنقلبين على أعقابهم)، قال لا أؤذن لأحد بعد رسول الله (ص) (فقد كان وفيا لأمير المؤمنين عليه السلام ومن المعتقدين بإمامته)، وإن فاطمة (ع) قالت ذات يوم: إني أشتهي أن أسمع صوت مؤذن أبي (ص) بالأذان، فبلغ ذلك بلالا فأخذ (وهو المخلص لفاطمة الزهراء عليها السلام) في الأذان، فلما قال: الله أكبر الله أكبر ، ذكرت أباها وأيامه، فلم تتمالك من البكاء، فلما بلغ إلى قوله: أشهد أن محمدا رسول لله شهقت فاطمة (ع) وسقطت لوجهها وغشي عليها، فقال الناس لبلال: أمسك يا بلال فقد فارقت ابنة رسول (ص) الدنيا، وظنوا أنها قد ماتت، فقطع أذانه ولم يتمه، فأفاقت فاطمة (ع) وسألته أن يتم الأذان، فلم يفعل وقال لها: يا سيدة النسوان، إني أخشى عليك مما تنزلينه بنفسك إذا سمعت صوتي بالأذان، فأعفته عن ذلك». (من لايحضره الفقيه ج1 ص297 ح907)

وقفة وتوضيح

وهنا أحب أن أقف قليلا عند بعض الاعتراضات الواهية على حزن الزهراء (ع)، فالبعض يرى أن هذه الروايات التي تنقل في حزن الزهراء (ع) تتنافى مع قيمة الصبر الذي أكد عليه القرآن، ولكنهم يتغافلون عن صريح القرآن الكريم حينما يخبر الله سبحانه وتعالى عما أصاب النبي يعقوب (ع) من الحزن حتى ابيضت عيناه وهو يعلم بحياة ابنه يوسف (ع) حيث يخبرنا القرآن أنه قال لأبنائه بعدما فقد بصره: ﴿ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ﴾(يوسف/87) مما يعني أنه كان عالما بحياته، ومع ذلك نجد القرآن الكريم ينقل عن لسان النبي يعقوب (ع) قبل أن يذهب بصره أنه قال:﴿ فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ﴾ (يوسف/83)، فلم يكتف بأن أثبت الصبر بل جعله جميلا، فلماذا يعتبرون حزن الزهراء (ع) بكثرة بكائها وما أصابها من الغشية متنافيا مع قيمة الصبر؟!
ولك أن تعرف أخي المشاهد وأختي الكريمة أن ما يقال أحيانا أننا نأخذ القرآن ونترك الأحاديث المخالفة له أساسه الجهل بما يقوله القرآن وما تقوله الروايات، وأساسه تفسير القرآن بالرأي والاستمزاج، فلا تعارض بين القرآن وبين أحاديث حزن الزهراء (ع).

ثانيا: تسلية جبرائيل للزهراء (ع) ومصحف فاطمة

تسلية للزهراء المرضية فيما أصابها من الحزن ذكرت الروايات المعتبرة المروية عن أهل البيت (ع) أن جبرائيل كان ينزل من السماء ليسلي الزهراء (ع) فيما أصابها، فمن جملة ذلك:
ما رواه الكليني بسند صحيح عن أبي عبيدة الحذاء، عن الإمام الصادق (ع) قال:
«إن فاطمة مكثت بعد رسول الله (ص) خمسة وسبعين يوما، وكان يدخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرائيل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة». (الكافي ج1 ص241)
وفي هذه الرواية عدة دلالات مهمة:
1 – إن كاتب مصحف فاطمة هو أمير المؤمنين (ع)، فما يقال أن الزهراء (ع) هي التي كتبته يفتقر للدليل ويخالف الروايات الصحيحة المتعددة ومن جملتها هذه الرواية، وأما قول البعض أن نسبة المصحف إليها بقولنا: مصحف فاطمة فهو دليل على أن لها دورا في فيه، فهذا صحيح، ولكن ليس من الضرورة أن يكون دورها في كتابته، إذ يكفي لتصحيح نسبة المصحف والدور إما لأنها كانت تلقي مضمونه على أمير المؤمنين (ع) وهو يكتب ذلك، والآن هناك كتب باسم أمالي الصدوق والطوسي، مع أن الذين كتبوه هم تلامذتهم، ولكن ينسب إليهم من جهة إلقائه، أو لأنها كانت المخاطبة من قبل جبرائيل بمضمونه، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ صحف إبراهيم وموسى ﴾ ، فقد نسبت إليهم الصحف مع أنهم لم يألفوها من جهة أنهم تلقوها من الوحي وكانوا المخاطبين بمضمونها.
2 – إن مضمون مصحف فاطمة هو عبارة عن مكان النبي (ص) في الجنة وما يجري على ذرية فاطمة (ع) وما يقال أن مصحف فاطمة يحتوي على الأحكام الشرعية فيفتقر إلى الدليل.
3 – إن مضمون مصحف فاطمة قد جاء من قبل جبرائيل، وليس من قبل شخص آخر.
وليس في ذلك إثباتا للنبوة أو أي شيء آخر كما لم يكن مخاطبة جبرائيل لمريم إثباتا لنبوتها.
4 – إن مقام الزهراء الرفيع استوجبت هذه الميزة العظمى حيث ينزل إليها جبرائيل وهو الملك المخصص للنزول على أولي العزم من الرسل وبشكل متكرر خلال هذه الفترة، وهنا تتجلى عظمة الزهراء (ع) فهي أهل لهذه المراودة وذلك الخطاب الرباني.
وأخيرا فإن مصحف فاطمة ليس فيه شيء من القرآن، وإنما سمي مصحفا من جهة احتوائه على الأوراق.

ثالثا: التضييق على فاطمة الزهراء (ع) في إظهار الحزن

كان بكاء الزهراء (ع) وحزنها على أبيها (ص) متواصلا لم ينقطع، وكان بيت الزهراء (ع) ملاصقا لمسجد النبي (ص)، ومن الطبيعي أن يصل صوت بكاءها إلى مسامع من في المسجد من المسلمين، وهذا بحد ذاته كان يقلق المنقلبين على أهل البيت (ع)، فهذا البكاء مقترن بظلامة الزهراء (ع) والاعتداء عليها، وغصب حق أمير المؤمنين (ع) في الخلافة، ومن ثم كان المنقلبون أن هذا البكاء موجه ضدهم ويستهدفهم، فأخذوا يضغطون لخلق الأجواء ضد الزهراء (ع) لكي تذهب إلى مكان بعيد لا يكثر المسلمون التردد عليه، وهذا ما يحدثنا به الإمام الصادق (ع) فيما رواه عنه الشيخ الصدوق في الخصال ضمن تعداد البكائين الخمسة قال:
«وأما فاطمة فبكت على رسول الله (ص) حتى تأذي بها أهل المدينة، فقالوا لها: قد آذيتنا بكثرة بكائك، فكانت تخرج إلى المقابر مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف». (الخصال ج1 ص272 ح15)
من الواضح أن أهل المدينة كانت لهم بيوت متباعدة، ومهما رفعت الزهراء (ع) صوتها بالبكاء – بالرغم من عدم وجود دليل على ذلك - فإن صوتها لن يبلغ مسامع أهل المدينة لا كلهم ولا أغلبهم، بينما تعبير الرواية يقول: "حتى تأذى بها أهل المدينة" المفيد للأغلبية على أقل تقدير، وهذا التعبير يدلل على أن المنقلبين على أهل البيت (ع) والذين كانوا يستغلون مسجد النبي (ص) لإثبات وجودهم قد انزعجوا من بكائها فجعلوا يحركون أتباعهم حتى ممن لم يكن مجاورا لمسجد النبي (ص) للاعتراض على بكاء الزهراء (ع).
ويمكن أن يدرك الإنسان شيئا من حجم حزن الزهراء (ع) أنها مع ما فيها من المرض جراء الاعتداء على جسدها كانت تمشي كل هذه المسافة من بيتها وحتى أحد لكي تنفس عما في قلبها من الحزن العظيم، وكما في الرواية: «حتى تقضي حاجتها».
ويؤكد مضمون الرواية السابقة من التضييق على الزهراء (ع) في إظهار الحزن على رسول الله (ص) حتى خرجت إلى أحد ما رواه الكليني بسند صحيح عن الإمام الصادق (ع) قال:
«عاشت فاطمة بعد رسول الله (ص) خمسة وسبعين يوما، لم تر كاشرة ولا ضاحكة، تأتي قبور الشهداء في كل جمعة مرتين: الاثنين والخميس، فتقول: ها هنا كان رسول الله (ص)، وها هنا كان المشركون». (الكافي ج4 ص561 ح4)
ويروي الخزاز القمي بسنده عن محمود بن لبيد قال:
«لمّا قبض رسول الله (ص) كانت فاطمة (ع) تأتي قبور الشهداء، وتأتي قبر حمزة وتبكي هناك، فلمّا كان في بعض الأيّام، أتيت قبر حمزة – رضي الله عنه – فوجدتها صلوات الله عليها تبكي هناك، فأمهلتها حتّى سكتت، فأتيتها وسلّمت عليها وقلت: يا سيّدة النسوان، قد والله قطعت أنياط قلبي من بكائك، فقالت:
يا أبا عمر يحقّ لي البكاء، لقد أصبت بخير الآباء رسول الله (ص)، واشوقاه إلى رسول الله، ثمّ أنشأت تقول:
إذا مات يوماً ميت قلّ ذكره * وذكر أبي مذ مات والله أكثر». (كفاية الأثر ص197)
فهي تقول: إنني أتحمل الآلام والأحزان وأتحمل كل المصاعب والأذى ما دام ذكر أبي باقيا حيا في النفوس الطاهرة، وإن كانت هناك شكوى أبثها فهي من أجل أبي (ص) وإحياء ذكره وخدمة الدين الذي جاء به.
avatar
جند المرجعية
Admin

عدد المساهمات : 294
تاريخ التسجيل : 30/05/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alzahra2.hooxs.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى